ابن كثير
195
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
تقوم إلى كذا وكذا ؟ فقال : سبحان اللّه ، أو لا إله إلا اللّه أو كلمة نحوهما ، لقد هممت أن لا أحدث أحدا شيئا أبدا ، إنما قلت أنكم سترون بعد قليل أمرا عظيما يخرب البيت ويكون ويكون - ثم قال - قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين - لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما - فيبعث اللّه عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه ، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ، ثم يرسل اللّه ريحا باردة من قبل الشام ، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته ، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه » . قال : سمعتها من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ، ولا ينكرون منكرا ، فيتمثل لهم الشيطان فيقول : ألا تستجيبون ؟ فيقولون : فما تأمرنا ؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان ، وهم في ذلك دارّ رزقهم حسن عيشهم ، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا - قال - وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله ، قال : فيصعق ويصعق الناس ، ثم يرسل اللّه - أو قال ينزل اللّه - مطرا كأنه الطل - أو قال : الظل ، نعمان الشاك ، فتنبت منه أجساد الناس ، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ، ثم يقال : يا أيها الناس هلموا إلى ربكم وقفوهم إنهم مسؤولون ، ثم يقال : أخرجوا بعث النار ، فيقال : كم ؟ فيقال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ، قال : فذلك يوم يجعل الولدان شيبا ، وذلك يوم يكشف عن ساق » . وقوله ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا . الليت هو صفحة العنق ، أي أمال عنقه ليستمعه من السماء جيدا ، فهذه نفخة الفزع ، ثم بعد ذلك نفخة الصعق وهو الموت ، ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين وهو النشور من القبور لجميع الخلائق ، ولهذا قال تعالى : وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ قرئ بالمد وبغيره على الفعل ، وكل بمعنى واحد ، وداخرين أي صاغرين مطيعين لا يتخلف أحد عن أمره ، كما قال تعالى : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 52 ] وقال تعالى : ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ [ الروم : 25 ] . وفي حديث الصور أنه في النفخة الثالثة يأمر اللّه الأرواح فتوضع في ثقب في الصور ، ثم ينفخ إسرافيل فيه بعد ما تنبت الأجساد في قبورها وأماكنها ، فإذا نفخ في الصور طارت الأرواح تتوهج أرواح المؤمنين نورا ، وأرواح الكافرين ظلمة ، فيقول اللّه عز وجل : وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى جسدها . فتجيء الأرواح إلى أجسادها فتدب فيها كما يدب السم في اللديغ ، ثم يقومون ينفضون التراب من قبورهم ، قال تعالى : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [ المعارج : 43 ] . وقوله تعالى : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ أي تراها كأنها ثابتة